أعمدة

*مصطفى ابوالعزائم* يكتب في *بُعدٌ .. و .. مسافة* ..*”عبد الله زكريا”.. تحصيل ما في الصدور !*

ليس أمتع لأي صحفي من أن يحاور شخصاً ثرياً بالأفكار والمواقف المؤثرة على مسيرة العمل العام ، ليس أمتع من ذلك ، إلا أن يكون الصحفي المحاور ملمّاً بتفاصيل كثيرة حول الشخصية التي يحاورها ، لذلك درجت على مراجعة سيرة كل من أود محاورته سواء كان ذلك للصحافة أو الإذاعة أو التلفزيون ، وإستذكار كل تلك السيرة الذاتية مع العمل على معرفة المؤثرات التي حولها من ناس وأحداث ومواقف ، ويكون العمل أمتع وأقيم إذا ما أحب الصحفي المُحاوِر سيرة الشخص المُحاوَر .
ظللت أعد وأقدم برنامج (صفحات من بلادي) لإذاعة بلادي منذ بداية انطلاقة بثها ، لفترة لم تستمر كثيراً ، وللحقيقة والتاريخ فإنه لا فكرة البرنامج ولا إسمه من مقترحاتي أو بنات أفكاري ، إذ اتصل علىَّ قبلها الأخ الصديق العزيز الأستاذ “شكر الله خلف الله” المخرج التلفزيوني المعروف ، والذي شغل منصب مدير البرامج في الإذاعة الوليدة ، في ذلك الوقت ، وطلب إلىَّ تقديم البرنامج المُسمَّى سلفاً ، وترك لي حرية إختيار الضيوف وحرية عدد الحلقات فاستحسنت الفكرة ، وكان أول ضيف للبرنامج هو الشيخ الأستاذ “أحمد عبد الرحمن محمد” وأجرينا معه حواراً مفصلاً على مدى أربع حلقات كاملة ، كان عبارة عن ذخيرة من المعلومات والأسرار والأفكار حول سيرة الشيخ الجليل ، ثم إنتقلنا بعد ذلك إلى محاورة الخبير الإداري والقيادي المايوي المعروف الأستاذ “حيدر حسين” حول سيرته ومسيرته وتجربته في الحكم والإدارة ، وتثبيته للحكم بالشريعة الإسلامية في ولاية كسلا ، والذي كان قد أعلنه سلفه الراحل المقيم الأستاذ “محمد عبد القادر” ومضينا في رحلة التوثيق ثلاث حلقات ، إنتقلنا بعدها إلى ” أب الغابات ” في السودان الدكتور “كامل شوقي” المولود في 1922م ، رحمه الله ، والذي توفي قبل أن يكمل عامه المائة بأشهر قليلة ، ومعروف عنه أنه أول من سودن منصب مدير الغابات قبيل الإستقلال ، وتحدثنا عن علاقته بأنظمة الحكم حتى إبعاده خلال العهد المايوي في الحملة القوية التي قادها اليسار لما أسماه بتطهير الخدمة المدنية ، ليتم إستيعابه فوراً خبيراً في منظمات الأمم المتحدة ، ويعود للسودان ممثلاً لها وخبيراً ، وذلك على مدى ثلاث حلقات كاملة مع الإشارة إلى أن زمن الحلقة هو ساعة إذاعية كاملة ، أي حوالي الإثنين وخمسين دقيقة .
كل الذين أشرت إليهم سبق لي أن حاورتهم للصحافة أو التلفزيون ، حوارات ليست بذات التفصيل الذي أشرت إليه في البداية ، ووضعت قائمة بأسماء الذين أرشحهم للحوار ، وكان من بينهم أستاذنا الجليل “عبد الله زكريا إدريس” وما أدراك ما “عبد الله زكريا إدريس” والرجل كنت قد سمعت به منذ أيام يفاعتي وصباي ، وعن ذكائه الحاد ودوره في تأسيس الحركة الإسلامية والحزب الاشتراكي الإسلامي ، ثم توجهه نحو اليسار ليصبح عضواً وقائداً في الحزب الشيوعي ” الصيني ” بالسودان ، ثم عودته لليسار الإسلامي وعلاقته بقيادات الحزب الشيوعي السوداني ، وزعيمه الراحل الأستاذ “عبد الخالق محجوب” وتأثره بأستاذه الراحل المقيم الأستاذ “بابكر كرار النور” ثم علاقته بالزعيم “الأزهري” وهي علاقة قربى ودم ، وعلاقته بالسُلطان “علي دينار” وبالرئيس “جعفر نميري” ودوره في التخطيط لإنقلاب يقوده “نميري” نهاية عام 1969م ، إلاّ أن جماعة أخرى تدخلت قدّمت العقيد “جعفر نميري” ليكون رئيساً لمجلس ثورتها ، وهنا تتكشف أسرار عجيبة ، إذ يروي الأستاذ “عبد الله زكريا” في أطول حوار إذاعي أجري معه حتى الآن ، أسرار تلك الفترة ويكشف عن أحداث وعلاقات بين رموز سياسية عدلت وأبدلت الكثير في مسار العمل السياسي بالبلاد .
صديقنا المهندس “عبد الرحمن إبراهيم عبد الله” مدير إذاعة بلادي وقتها ، وصديقنا الأستاذ “مصعب المأذون” مدير البرامج آنذاك كانا من أسعد الناس بالصيد الثمين الذي سيشد الآذان شدّاً للمتابعة ، خاصة عندما يتحدث عن علاقته بالشيخ الدكتور “حسن الترابي” إبن دفعته في حنتوب الثانوية وغيره من أبناء تلك الدفعة التي حكمت السودان ، بل وأراد لها المرحوم “بابكر كرار” والمرحوم “جعفر نميري” وأستاذنا “عبد الله زكريا” أن تحكم السودان من خلال إنقلاب عسكري قوامه ضباط الجيش من خريجي حنتوب ، وتم تحديد موعده في ديسمبر عام 1969م ، إلى أن حدثت المفاجأة التي جاءت بطاقم جديد لا علاقة له بالمرشحين لقيادة الإنقلاب والبلاد .
الآن بدأنا في تحصيل ما في صدور القوم من أسرار رغم إمتناع الكشف عن كل ما يعرفون ، لكن كتابة التاريخ تتطلب الصراحة والوضوح، إلا في حالات نادرة.. وقليلة .

Email : sagraljidyan@gmail.com

إنضم الى مجموعتنا على الواتس آب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى