أعمدة

مصطفى ابوالعزائم يكتب في (بُعْدٌ .. و .. مسَافَة) ..

أتشرف كثيراً اليوم ، بأن أفسح هذه المساحة للأستاذ الكبير ، والشيخ الجليل ، أحمد عبدالرحمن محمد ، وقد كتب إلي معزّياً في يوليو من العام 2016 م ، في وفاة الأستاذ الراحل عباس إبراهيم النور ، ووجدت نفسي أنشر ما بعث به إليّ آنذاك ، لأن فيه إضاءات كثيرة عن مسيرة القانوني والسياسي والدبلوماسي الأستاذ عباس إبراهيم النور .. لا أزيد وأترك المساحة لما كتبه« عم أحمد » .

*الشيخ “أحمد عبد الرحمن محمد” يكتب : “عباس إبراهيم النور” الذي عرفته وأحببته .ّ.*

لقد غيّب الموت الأستاذ والمفكّر المناضل “عباس إبراهيم النور” ، بعد فترة طويلة من المعاناة مع المرض ، وقد شهِدتُ بدايتها ، حيث جيئ بالمرحوم إلى الغرفة والتي غادرتها في مستشفى ابن الهيثم بالأردن . وكان أول لقائي بالمرحوم “عباس” بمنزل خالي الأستاذ “سيد أحمد الحسين” وزير الداخلية الأسبق ، والذي عرّفني بالمرحوم وعلاقته بالأسرة.
وزادت فرص لقائي بالمرحوم وإعجابي به عندما كُنّا نعمل سوياً بمجلس الشعب الثالث برئاسة الأستاذ المرحوم “أبو القاسم هاشم” ، وهنالك شهِد الكثيرون بإسهامات المرحوم العديدة والمتنوعة ، في مجال العمل البرلماني والقانوني ، وكانت مبادراته تُحظَى بالقبول والرضا من الجميع .
ومن المعروف عن المرحوم أنه كان من كبار قيادات التيّار القومي العربي ، وخلال هذه الفترة توثّقت علاقتي بكل من المرحوم “عباس النور” ورفيق دربه الأستاذ المرحوم “عبد المنعم الدمياطي” ، وكلاهما من المتأثّرين والمعجبين بأفكار الزعيم الراحل والمؤسس الأول لحركة التحرير الإسلامي السوداني ، الأستاذ “بابكر كرار النور” ولذلك لم يكن بمستغرب تحوُّل الأستاذين المرحومين “عباس وعبد المنعم” إلى الحركة الإسلامية في السودان .
وأذكر خلال فترة التفاكر عن المرشحين لدوائر الجبهة الإسلامية (الجغرافية والخريجين) ، أنني بادرت بإعلاء مبدأ مشاركة الغير ممن تتوفّر فيهم المقدرة على العطاء الفكري الحركي من خارج الجماعة ؛ ورشّحت بالإسم المرحوم “عباس” ، ولم أستغْرِب لإستجابة كل من الدكتور المرحوم “الترابي” ، والأخ المرحوم “محمد يوسف محمد” ، اللذين يعرفان المرحوم المهموم بالقضايا الوطنية ، وقد استأذنتهما بالتوجّه إلى ” ودمدني ” لعرض الأمر على المرحوم “عباس”.
فوصلت إلى مدني في المساء وتوجهت إلى منزل المرحوم “عباس” بجزيرة الفيل ، وقد جاء متأخراً وأبلغني بأنه كان في إجتماع سياسي بمنزل المرحوم الزعيم “صديق شِقِدِّي” ، حيث أُجمِع على قبوله كمرشح مستقل عن الدائرة الجغرافية بودمدني (جزيرة الفيل) ؛ وقال لي صدّقني أنني لست مرتاحاً لهذا الأمر وأشعر بوخز ضمير وإمتحان لمصداقيتي في العمل العام ، خاصةً وأهل ودمدني لا تنطلي عليهم مثل هذه الحيل و(الأفلام)
– وتذكرنا مقال الأستاذ “صلاح أحمد إبراهيم” والذي نشر في جريدة الصحافة بعنوان (الكلام على اللون) ، عندما رشّح الحزب الشيوعي الأستاذ “عبد الخالق محجوب” (كمستقل) في الإنتخابات في دائرة أم درمان الشمالية، ثم أذكر أن الأخ “عباس” قال لي (كدي كلمني أنت الجابك شنو اليوم أظنك جيت “إنقاذ” فقلت له يا أخ “عباس”، إن الحركة الإسلامية في مرحلتها الحالية في السودان تفتقر لأمثالكم). واستمر الحديث في هذا الشأن ثم توجّهنا سوياً إلى الخرطوم وإلتقينا بالأخ المرحوم “حسن الترابي” الذي أحسن إستقبالنا ، وأكّد للمرحوم “عباس” حاجة الحركة له ولأمثاله وأبلغنا بأن الأستاذ “محمد يوسف محمد”، وقد علم بالأمر وسر به ينتظرنا بمكتبه الآن وهنالك قام الأستاذ المرحوم “عباس” بالإجراءات القانونية في إعداد التوكيل لإنضمامه إلى قائمة المرشّحين في دوائر الخريجين لحزب الجبهة الإسلامية.
وقد لقي خبر إنضمام المرحوم “عبّاس النور” السّخط والرفض من البعض، ربّما لضيق في الأفق وسوء الظن ، فقد تجاوز المرحوم “عباس” كل ما سمع ووجد الساحة المناسبة والتي تستوعب قدراته وإبداعه فانطلق .
كما أذكر أنه في بداية حكم الإنقاذ تم تحويلي والدكتور “عمر نور الدائم” والشيخ “إبراهيم السنوسي” لسجن ودمدني. وهنالك شهدنا الدور الذي كان يقوم به المرحوم “عباس” ورفاقه (الشريف أحمد عمر وعامر محمد الحسن وعبد المنعم الدمياطي) ، وأمين الحركة الإسلامية في ترسيخ أقدام النظام الجديد، ونعمنا بحسن الرعاية والمعاملة طوال فترة إقامتنا ، وحظيَّ المرحوم “عباس النور” برعاية من السيّد النائب الأول آنذاك “علي عثمان محمد طه” والذي وجد فيه ضالته ، لأن المرحوم “عباس النور” كان متميزاً خاصة في قدرته على الكتابة ، الأمر الذي يستعصي على الكثيرين ، فساهم في صياغة البيانات والمذكّرات وتفرّغ لإعداد مشروعات القوانين والمراسيم الجمهورية.
وقد كان وراء مشروعات وحدوية وتكاملية مع كل من الجماهيرية والشقيقة مصر. وفي إطار الحديث عن سيرة المرحوم “عباس النور” لابد من التطرق للعلاقة مع الشقيقة مصر. وأقول للتاريخ أن كلاً من تنظيم الإخوان المسلمين بمصر والنظام المصري الرسمي قد ظلما الدكتور “حسن الترابي”، فقد كان الرجل مدركاً للتاريخ وللجغرافية السياسية وأهمية العلاقة مع مصر لإعتبارات ، أهمها الأمن القومي في وادي النيل والمصالح المشتركة ، وأدناها كفّ أذاها في حالة عدم الرضا عن النظام القائم بالسودان .. وأذكر أنه في إطار هذا الفهم توجّهت أنا والأستاذ المرحوم “عباس النور” إلى القاهرة بموافقة الدكتور “حسن عبد الله الترابي” ، وهنالك وظّف المرحوم “عباس” كل علاقاته السّابقة بالقيادة الناصرية ، وعرفه بعض القياديين في حركة الإخوان المصرية وحزب العمل المصري ، وبعض الأصدقاء في كل من وزارة الداخلية المصرية والمخابرات المصرية ، وقابلنا العديد من الكُتّاب والصّحفييّن والسّياسيّين .
وأذكر أن الدكتور “طلبة عويضة”– رئيس جامعة الزقازيق وهو من عشاق وحدة وادي النيل ، قد زارنا في اليوم التالي لوصولنا بفندق شبرد بالقاهرة ، وهو صديق حميم للمرحوم “عباس النور” وهذه أول مرة ألتقي به . هنا برزت قدرات الأخ المرحوم “عباس” حيث قدّم نفسه كعضو في حركة تغيير وتحديد بمرجعية إسلامية وأجهد نفسه في تبيان خصائص الحركة الإسلامية بالسودان وتفردها وتميزها. كما أبان المرحوم ملامح النظام الجديد في السودان وبيّن للضيف إستعداد النظام الجديد بالسودان لتجاوز الماضي ، وفتح صفحة جديدة بإرادة سياسيّة مشتركة ، لدفع التكامل المصري السّوداني في كل المجالات ، ثم توالت اللقاءات مع القيادة الناصرية فأستُضِفنا في مائدة غداء جمعت كبار القيادات الناصرية والمصرية والفلسطينية بمنزل الدكتور “أحمد صدقي الديجاني” صديق المرحوم وزير التربية والتعليم بالسلطة الفلسطينية آنذاك ، وقد حضر ذلك الاجتماع عدد من المفكّرين على رأسهم الأستاذ “يحيى الجمل” وآخرون. وتم الحديث حول النظام الجديد بالسودان (نظام الإنقاذ) ورحب المجتمعون بعباس النور في ثوبه الجديد، كما قدمت الأخ المرحوم لعدد من كبار رجال الحركة الإسلامية بمصر، كدليل لانفتاح الحركة الإسلامية كما أفلحت في تنظيم لقاءات مثمرة مع بعض المسؤولين في المخابرات المصرية ووزارة الداخلية ساهم فيها المرحوم بطرح رؤى متقدمة. ولاحظت أن بعض المسؤولين كان يتابع حديث المرحوم بحذر شديد، كما ذكر لي بعضهم بحكم خلفيته السابقة وعلاقته بالجماهيرية .
وعند عودتنا للفندق بعد كل تلك اللقاءات وكنا نسكن في غرفة واحدة أعد المرحوم “عباس النور” مذكرة تضمنت تقييماً إيجابياً لزيارتنا للقاهرة ملخصه (حتمية العلاقة بمصر وأهميتها للسودان والحركة الإسلامية)، وأن الأمر يحتاج إلى صبر ومصابرة ولابد من صنعاء وإن طال السفر.
وبعد تلك الزيارة، حاول بعض المتطرّفين إقتحام السفارة المصرية بالخرطوم فشجبت قيادة الحركة الإسلامية ذلك الحدث بل وذهبت لأكثر من هذا، فعرضت إستعدادها لتسيير موكب شعبي لرد الإعتبار للشقيقة مصر، ولولا عدم الإطمئنان في الحركة الإسلامية ، نتيجة للموروث الماضي لتم تسيير ذلك الموكب. وكان للأستاذ “عباس النور” دور كبير في توثيق الصلة بين قيادة الحركة والمسؤولين بالسفارة المصرية، الأمر الذي وجد تفهماً كبيراً من قبل المسؤولين بالسفارة آنذاك خاصة السفير المصري الأستاذ “الشربيني”. ونتيجة لجهوده وآخرين فقد تلقت قيادة الجبهة الإسلامية دعوة لزيارة القاهرة وعُقد اجتماع هام بقصر القبة بجمهورية مصر ، حضره من الجانب المصري اللواء “منمر” رئيس المخابرات المصرية آنذاك واللواء “الطنطاوي” رئيس القوات المسلحة المصرية والسيد السفير “الشربيني” سفير جمهورية مصر بالخرطوم ، وحضر من الجانب السّوداني الدكتور “حسن عبد الله الترابي” واللواء طيار “الفاتح عبد الرحمن عابدون” وشخصي الضعيف. وبعد هذا الإجتماع تم الإنفتاح على النظام الجديد بالسودان وعزز ذلك بزيارة المرحوم اللواء “الزبير محمد صالح” وطرحه القوي العفوي للعلاقات المصرية السودانية عند لقاء الرئيس “حسني مبارك”، ثم جاءت زيارة السيد الأمين العام للجبهة الإسلامية لمصر ومقابلته للسيد الرئيس “حسني مبارك”، رغم المتاريس التي وضعت أمامها. وكانت فرصة حيث التقى السيد الأمين العام بكثير من المسؤولين في المجتمع والدولة.
رحم الله الأستاذ “عباس إبراهيم النور” وأدخله فسيح جناته.

Email: sagraljidyan@gmail.com

إنضم الى مجموعتنا على الواتس آب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى