أعمدة

(تأملات ) ..جمال عنقرة ٢٥ أكتوبر.. ثورة تصحيحية أم إنقلاب؟

بينما يعتبر المؤيدون للاجراءات التي اتخذها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بصفته القائد العام للقوات المسلحة في الخامس والعشرين من شهر اكتوبر الماضي، والتي أقال بموجبها رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك، وكل أعضاء حكومته الوزراء الإتحاديين وولاة الولايات وكثيرين من قادة الخدمة المدنية الذين تم تعيينهم في عهد الدكتور حمدوك، وحل لجنة إزالة التمكين، وأعلن حالة الطوارئ في البلاد، واجري تعديلات علي الوثيقة الدستورية، فبينما يعتبر المؤيدون لهذه الإجراءات أنها ثورة تصحيحية، يعتبرها المعارضون لها إنقلابا كامل الدسم، وبين هذين التوصيفين المتعارضين تماما تتشكل المواقف الداخلية والإقليمية والدولية، وعلي اساسهما تتمحور مساعي الحلول.
وبالنظر المجرد لهذه الإجراءات، نجد أن كلا الوصفين- ثورة تصحيحية، أو إنقلاب – لا ينطبقان عليها انطباقا كاملا، فمن الصعب تسميتها إنقلابا، ذلك أن ذات القائد العام للقوات المسلحة الذي اذاع بيان الحادي عشر من أبريل عام ٢٠١٩م وانهي به حكم الإنقاذ، وأعلن به بداية حكم جديد في عهد الثورة، هو ذاته الذي أصدر بيان الخامس والعشرين من شهر اكتوبر عام ٢٠٢١م، وانهي به تكليف المسؤولين الذين أتت بهم القرارات التي انبنت علي البيان الأول، واختلاف الشخص لا يغير في الأمر شيئا، فكلاهما- الفريق أول ركن عوض ابنعوف، والفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان- أصدر البيان بصفته الاعتبارية، وليس بصفته الشخصية.
أما القول بأنها ثورة تصحيحية، فهو أيضا ليس دقيقا، ولا أقول ذلك استنادا علي ما تبع هذه الإجراءات من سوء للأوضاع، لا سيما الإقتصادية، ولكن لأنها لم تمض في طريق الإصلاح، الذي أراه، ويراه كثيرون أنه السبيل الوحيد لتصحيح مسار الثورة ووضعها في مسارها الطبيعي، فثورة ديسمبر، ثورة شعبية بكل ما تعني الكلمة من معان، وأول وأعظم انحرافات الثورة أن الذين استاثروا بتمثيلها السياسي المدني، جيروها لصالح جهات محدودة، ومحددة، وأعانهم علي ذلك العسكريون الذين مثلوا الجانب العسكري في قيادة البلاد، ولذلك فإن أول خطوة في مسار التصحيح كان ينبغي أن تكون في اتجاه فك احتكار الثورة والدولة.
قد يقول البعض أن الإجراءات أفلحت في فك قبضة مجموعة مركزية الحرية والتغيير علي الدولة، ولكنها سارت في إتجاه تمكين قوي سياسية أخري ليست باحق من الأولي كثيرا، واعني الحرية والتغيير مجموعة الميثاق الوطني، وأسوأ ما في هذا الطريق أنه وضع المؤسسة العسكرية في موقف سياسي، مع وضد، ولا ينبغي لمؤسسة عسكرية قومية مستامنة علي البلد كلها، وتنال رضاء الجميع أن تضع نفسها في هذا الموضع، فتنالها سهام لا لشئ إلا لأنها احتضنت مجموعة سياسية علي خلاف مع آخرين، وفي صراع مع مجموعات أخري، ثم زادت الطين بلة بمحاولاتها خلق حواضن شعبية للحكومة، والاسوا في هذا أن هذه الحواضن ليست سياسية، وليست ذات مواقف ثابتة وراكزة في كل الحقب السياسية السودانية، منذ عهد الإستعمار، وحتى حكومة الإنقاذ السابقة، واعني بعض الإدارات الأهلية، وبعض الطرق الصوفية، وكثيرون من هؤلاء كانوا ضمن الذين أعلنوا بيعة للرئيس السابق المشير عمر البشير، في آخر لقاء حاشد له قبل السقوط في الساحة الخضراء، فأكثر هؤلاء لا خير فيهم ولا كفاية شرهم، ثم أن المجموعة العسكرية التي بيدها أمانة الحكم في هذه المرحلة ليست في حاجة إلى حشود شعبية، ولا إلى مسيرات جماهيرية، فهم ليسوا جهة سياسية، وغير مقبلين علي تنافس انتخابي، وإن كان من بينهم من يرغب في ذلك، فهذا من حقه، ولكن لا يفعله باسم المؤسسة العسكرية القومية المستأمنة من الجميع علي البلد في مرحلة الإنتقال، لتسليم الحكم إلى من يختارهم الشعب وفق انتخابات حرة نزيهة شفافة.
ومن تجاوزات المرحلة السابقة من عمر الثورة، أن البلد انفتحت علي مصراعيها للدول الأجنبية العربية والأفريقية والأجنبية، وكان من المرتجي تصحيحه، قفل هذه الأبواب، ولكن علي العكس من ذلك، ازداد التدخل الخارجي، فالسفراء الذين يفسدون في أرض السودان ازدادوا فسادا وافسادا، لدرجة أن الحكومة كانت قد أصدرت أكثر من بيان في هذا الخصوص، هذا فضلا عن المبادرة الأممية التي تسير في ذات الإتجاه، وليس لها في الإصلاح والتصحيح نصيب.
ومع ذلك لا تزال الفرصة قائمة لتصحيح كل الأوضاع السابقة، والمدخل لهذا أن يعود العسكريون إلى المسار القويم الذي سار عليه اسلافهم في مراحل الإنتقال السابقة، ولعل تجربة المشير سوار الذهب له الرحمة والمغفرة هي الأقرب والأمثل، ولقد شهد العالم كله علي تميزها وتفردها، فيتكون مجلس عسكري انتقالي علي ذات طريقة مجلس سوار الذهب، يضم قادة الأركان والأسلحة، ويتكون مجلس وزراء من تكنوقراط حقيقيين، ويشرف القادة العسكريون في الولايات علي حكومات تلك الولايات التي يقودها إداريون مخضرمون يعاونهم مهنيون في إدارة شؤون الوزارات الولائية، واداريون لحكم المحليات، ويشرع المجلس العسكري فورا في تكوين مفوضيات لمعالجة آثار ومخلفات النظام السابق، في شأن العدالة الإنتقالية، واسترداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة الذين افسدوا قضائيا، وتتكون مفوضيات للإصلاح الإقتصادي، والإصلاح القانوني، والحكم الإتحادي، والترتيبات الأمنية، وكل القضايا التي تحتاج إلى إصلاح، وتسير إجراءات الإعداد للانتخابات في الوقت الذي يتم التوافق عليه جنبا إلى جنب مع هذه الإجراءات، وتبتعد قيادات المرحلة الإنتقالية العسكرية والمدينة تماما عن كل القوي الحزبية والسياسية، وحركات الكفاح المسلح، وتبعدها عن الحكم تماما، وتتفرغ هذه القوي لترتيب صفوفها، وتنظيم قواعدها، والاستعداد لخوض الإنتخابات التي تحدد من يحكم السودان، ويتم حصر السفراء المتمددين في مهامهم الدبلوماسية المعروفة.

إنضم الى مجموعتنا على الواتس آب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى