مقالات

*إنه الكلس د. نافع معدن المبدئية وكاشف الزيف” بقلم د. إبراهيم الصديق على

(1)
أحب د. نافع علي نافع الدوبيت، وكثيراً ما يستشهد بأبيات الصادق ود الحلال في مدح الشريف إبراهيم الهندى :
تلاتة في الخصــائل من رفيقـى بعـاد..
الخوف والبخــل وطمــع النفس فى الزاد..
ات بتسيـها يا البتقضـــى كل أغراضي.
ضبح أم سـرى ودفع النقى أب عقــــاد..
وحين يرتاح في مجلسه، يسرد رحلة المسادير وكما قال الشيخ أحمد عوض الكريم :
اجمّع بعد شرف الحريحير طار..
دانى بعيده بي المصعي وجري الحر حار..
علي جريعة البنوني ومسكة اب محار..
لولح راسه واتمرعف بلا السحار..
وبعد المشارف والمنازل يتطلب أكثر من مجرد النوايا إلى تمام العزم وعلو الهمة وسمو النفس.. وتلك صفحة في حياة د. نافع علي نافع، فهو من مواليد شندي ١٩٤٨م ونشأ فى البادية ودرس في أفضل الجامعات وحصل على تخصص نادر ودقيق ومن جامعة عالمية مرموقة..
وذلك إضافة لخصال د. نافع، في الكرم والجود والفطرة السليمة والإقدام بلا تردد وصفاء النفس وطيب الخاطر..
(2)
كنا حضوراً ذات مرة عند الشيخ د. حسن الترابي قبل المفاصلة ، وقد طوفنا على عدد من القيادات الحركية بالإشارة ، أنصت إلينا قليلاً ثم قال (وأكثرهم ذكاءاً نافع)، وكنت حينها قليل المعرفة به..
فقد تخرج د. نافع في كلية الزراعة جامعة الخرطوم، وابتعث منها لنيل درجة الدكتوراه في علم الوراثة من جامعة كاليفورنيا في الولايات المتحدة، ولم تفارقهم الدعوة للخير وما زال آثار غرسهم هناك، د. إبراهيم البشير الكباشي ود. بشير آدم رحمة ود. نافع وآخرين، فقد نما مصلاهم إلى مركز إسلامي واسع..
وعاد د. افع عام ١٩٨٠م للعمل محاضراً في الجامعة وموصولاً بالعمل التنظيمي بكل خباياه ودقائقه..
واتصل عمله في جهاز الأمن والمخابرات حتى أصبح مديرا عاما لجهاز المخابرات ثم وزيراً للزراعة ١٩٩٥م ورئيساً لقطاع الإتصال التنظيمي ١٩٩٩م ووزيراً للحكم الإتحادي ونائباً لرئيس الحزب ومساعداً لرئيس الجمهورية حتى ٢٠١٣م..
وطيلة فترات تكليفه فإن د. نافع تتحقق فيه مقولة الإمام علي كرم الله وجهه (من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته).. فقد كان واضح المواقف بلا لبس أو مداهنة.. وتلك طبائع أهل المباديء.. وكما وصفه د. أمين حسن عمر (رجل كلس).. وذلك نافع..
(3)
كنت أجد في د. نافع بعض سمات الراحل د. عمر نورالدائم القيادي بحزب الأمة القومي ، طابع الساسة الذين لا يتلونون ولا يداهنون ولا تهمهم الحسابات الصغيرة عن غاياتهم واهدافهم.. إنهم يختلفون عن طبائع التصنع النخبوي وزاهدون في ود متكلف، أنهم ساسة الفطرة السوية..
رجل لا تهمه قساوة المسير أو حشود الغوغاء عن النظر إلى الحقيقة والجهر بها وإن كانت (ألحس كوعك)، ومع إختلاف المناسبة والظرف فإنها الرد المناسب في الوقت المناسب، ومن عجب ان شانئه شعارهم (ندوسه دوس) أو (نعلقهم في المشانق)..
وكما قال المتنبي :
أَلِفَ المُروءَةَ مُذ نَشا فَكَأَنَّهُ..
سُقِيَ اللِبانَ بِها صَبِيّاً مُرضَعا..
نُظِمَت مَواهِبُهُ عَلَيهِ تَمائِما
فَاِعتادَها فَإِذا سَقَطنَ تَفَزَّعا..
إن د. نافع ترياق ضد الزيف وبهارج الكذب ومغامرات التدليس..
ولذلك احبه اهل الصدق وعاداه كل خائن لوطنه أو مسلوب الإرادة الوطنية.. إنه معدن الأصالة والنقاء..
(4)
لم أجد د. نافع متبرماً من شخص يلومه ، ولكنه لا يقبل بأنصاف المواقف، ولا يرضى بسياسة (الباب الموارب)، ولذلك صوبت عليه بعض القوى السياسية المعارضة سهامها، فأول مداخل (السوس) نخر الركائز، وقد كان ركيزة، لمصلحة وطنه وشعبه وفكرته، ضد المتاجرين وأتباع رايات من المستعمرين الجدد..
فهو سليل جيل ربط المواقف بالقيم والمعاني ، مع حسن التدبير والقدرة على المتابعة، وقد أفاد د. نافع كثيراً حصوله على معلومات دقيقة وقدرة على تحليلها وإدراك ابعادها، فلم يكن الخب، وكثيراً من مواقفه ذات صلة بتلك النظرة العميقة لما جرى وإطلاع واسع على المكر السياسي في ذهن بعض التيارات السياسية السودانية.. لقد كان نافع جرس إنذار..
(5)
جاء في رواية البيضاء :
(وفي السجن علمت ان سانتي غادرت البلاد وان البارودي أعمى يقود)، كان يوسف إدريس يقدم نقداً لاذعاً للفكرة اليسارية والشيوعية تحديداً، وذلك بعد أن اختبر مغامرات اليسار وخطرهم على أمن المجتمعات ومستقبل الشعوب، وهو أحد أساطين الفكرة الشيوعية مع خيبة أمل كبيرة…
وتلك قناعات د. نافع، أن اليسار بإفتقار للمبدئية السياسية وحماقته خطر على إستقرار البلاد والعباد، وقد صدقت رهاناته.. وأصبحت بلادنا رهينة أجندة أجنبية يرسمها مبعوث اجنبي ويتغني بها وينتظر مددها (جلبي) بسحنة سودانية.. فما أكثر (الخوازيق)..
واتذكر حديثه أمسية ٦ أبريل ٢٠١٩م، وهو يقول لأحدهم (ياأخي كان عندك كلام غير دا قوله)، إنه رجل يمتلك رؤية ثاقبة وذهن متقد..
(6)
احتفظ د. نافع بمواقف خاصة، إنطلاقاً من قناعاته، فقد وقع إتفاقاً للسلام مع مالك عقار ٢٠١٢م، لم يوافق عليه بعض قادة الأجهزة الأمنية وقادة الحزب، كما كان يرحج خيار عدم ترشح الرئيس البشير ٢٠٢٠م، لضرورة إعطاء دفعة حيوية للحزب ومواصلة عملية الإصلاح..
واذكر حين خرجنا من صلاة الظهر يوم ٨ أبريل ٢٠١٩م، تحدث د. نافع لعدد من الزملاء ورؤساء تحرير الصحف والمواقع الإلكترونية ومنهم الأساتذة الصادق الرزيقي و عبدالماجد عبدالحميد ويوسف عبدالمنان ود. حبيب وآخرين، وقال لهم ببساطة (هناك قضية تتعلق بالأجهزة الأمنية، إن لم تحل خلال ٧٢ ساعة، فإن البلاد في خطر) إن لم تخني ذاكرة التفاصيل.. تلك نظرة فاحصة وتقدير سليم للمواقف.. وذاك د. نافع.
(6)
قال احد كبار منطقتنا أثناء جولة إنتخابية وهو يقف على باب الإقتراع (ورقنا دا فيه نافع ولا ما فيه) وحين سمع إجابتنا قال (صوتوا لي للبشير والباقي ختوه فاضي)، ذلك أن د. نافع يمثل الوجدان الشعبي بكل النقاء والصفاء وقد عبر عن ذلك شاعرنا الراحل محمد ود الفكى حمد حين قال يمدح د. نافع :
ود ناساً عزاز أهله و طباعهم باهية..
أسود الغاب ضراوة و طيبتم متناهية..
الما قال أخون وطني و يروح في داهية..
نافع نجدة الضعفاء الديارهم تاهية..
نافعي المنو شُرس الساسة سكتت تِم..
لقد كانت الحركة الإسلامية بحاجة لقادة أمثال د. نافع لتعزيز البعد المجتمعي والإقتراب من القواعد الشعبية، فالحركة ذات الطابع النخبوي بحاجة لرموز مثل البشير والزبير ود. نافع شخصيات ذات وزن وثقل إجتماعي وبما يمثلونه ويعبرون عنه.. وهذا هو نبض الشعب ووجدان الأمة..
(7)
للسجن مرارات، ولكن النفوس الكبيرة لا تحاصرها أسوار الأسلاك، وانوار الوجوه الوضيئة لا تحجبها غمامات الأكاذيب ودناءة المواقف، وبقاء د. نافع في حبسه اثبت صحة قوله (وظللت أقول وسأقول والله القوى المسماة التحالف الوطني ديل لو عاشوا عمر نوح عليه السلام وانتو نومتوا نوم أهل الكهف تقوموا تلقوهم في حالهم إذا ما رجعوا لي وراء).. .
وقديماً قال الشاعر العاقب ود موسى :
نِحنا سهمنا دائماً في المصادِف عالي..
نِحنا العِندنا الخُلق البِِتاسع التالي..
نِحنا اللي المِحن بنشيلا ما بنبالي..
بِنلوك مُرهِن لامِن يجينا الحالي..
لقد قاد د. نافع وإخوانه مسيرة هذا الوطن دون أن يعبأوا بالضغوط الأجنبية وقدموا نموذجاً في الحكم َالنزاهة والريادة.. ولإن بعض الدوائر أرادت وتريد ان يبقى امثال د. نافع في السجن، حتى يسهل قيادة هذه الأمة العزيزة لمواقف رخوة وخيارات بائسة تتكشف ملامحها كل يوم..
إن المدخل للإستقرار والوحدة، هو إطلاق سراح كل المعتقلين وإدارة حوار وطني شفاف..
الحرية للأخ د. نافع علي نافع وإخوانه.. وغدا يشع الأمل، وليل الكذب والتيه قصير مهما اشتدت ظلمته.. وفجر البشارة قريب بإذن الله..
إبراهيم الصديق على
٢٠ يوليو ٢٠٢٢م

إنضم الى مجموعتنا على الواتس آب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى