أعمدة

مصطفى ابوالعزائم يكتب في (*بُعْدٌ .. و .. مسَافَة) ..في الذكري السبعين لثورة التحولات الكبرى !

مهما كان تقييم النُخب السياسية ، وقيادات القوى والأحزاب في مصر أو أفريقيا أو الشرق الأوسط ، أو في كل العالم لما حدث من تحوّل ضخم في الشقيقة مصر صبيحة الثالث والعشرين من يوليو 1952م ، ومهما كانت إختلافاتهم حول الحدث المزلزل ، إلّا جميعاً يتفقون على أنه كان تحولاً عظيماً غيّر الخارطة السياسية وغيّر ثوابت الجغرافيا – ولو إلى حين – بعمليات الوحدة التي تحققت بين عدد من الدول العربية ، وأصبح ذلك اليوم أحد أبرز أيام التغيير في المنطقة من حيث التاريخ والثورة على القيم البالية ، التي كانت تحكم المجتمع المصري من خلال المفاهيم الخديوية ، التي رسّخت الإقطاع كواقع اجتماعي جعل الفلاحين جزءاً يتم ثوريثه للباشوات والبكوات ضمن ورثتهم للأرض .
إستندت الثورة المصرية على قيم الإشتراكية التي أتاحت فرص التعليم للجميع ، وجعلت الخدمات الأساسية حقاً لكل مواطن ، وحقّقت أكبر وأخطر مشروعاتها على الإطلاق وهو الإصلاح الزراعي ، مع إلتفاتة قوية نحو التنمية التي بدأت بالإنسان ، فالأرض والعمل في تقوية الصناعات التحويلية وصناعة النسيج ، وإنتاج وتوفير الطاقات المشغلة لوسائل الإنتاج ، فقفزت مصر درجات كبيرة ، وسارت بخطوات واسعة في مختلف المجالات ، وقوِيَ جيشها الذي كسرت الثورة دوائر إحتكار تسليحه ، وتغيّرت العقيدة العسكرية ، مما أخاف الكيان الصهيوني الذي أنشأ دولة إسرائيل في العام 1948م ، خاصةً وأن القراءة الصحيحة للأحداث تقول إن ثورة 23 يوليو 1952م إنما جاءت لصون الكرامة العربية ، وثأراً للأمة العربية التي تم الغدر بها منذ “وعد بلفور” عام 1917م ، عندما وعد اليهود بوطن قومي فأصبح وعده مثالاً ونموذجاً لوعد من لا يملك لمن لا يستحق .
تأهبت إسرائيل وعملت بكل قوتها من أجل إسقاط النظام الثوري في مصر ، لكن القاهرة كانت قد وجدت الدعم السّياسي والسند القومي من الاعتحاد السوفيتي ، أحد القوتين العُظميين آنذاك ، ودخلت مصر في تحدٍ كبير لإقامة أكبر مشروعاتها ، وحدثت نهضة في كل القطاعات ما كان لها أن تكون لولا الثورة .
السودانيون كانوا من المرحبين بالثورة المصرية ، ليس لأن رئيس مجلس قيادة ثورتها اللواء “محمد نجيب” كان ينتمي للسودان من ناحية الأم فحسب ، ولا لأن رجل الثورة القوي “جمال عبد الناصر” كان من الذين عملوا بالسودان في قاعدة جبل أولياء ، وهو الذي أطاح باللواء “محمد نجيب” لاحقاً في العام 1954م ، ولا لعلاقة الدم التي تربط عضو مجلس قيادة الثورة “أنور السادات” بالسودان ، لكنها كلها كانت أسباباً ضمنية قرّبت ما بين فكر الثورة المصرية والحركة الوطنية في السودان بكل مكوناتها استناداً إلى أن الثورة ماضية لأن تمنح السودان حق تقرير المصير بعد اتفاقية 1953م ، مع إعتراف النُخب السّياسية السّودانية بأن النظام الثوري الجديد في مصر ، هو الأكثر فهماً للقضية السودانية والأقرب لقضايا الشعب .
بداية الثورة المصرية وإستيلاء الجيش على السلطة في مصر ، لم يطلق عليها منفذوها إسم ثورة ، بل أسموها ” الحركة المباركة ” وأخذت إسم ” ثورة 23 يوليو ” عقب حل الأحزاب السياسية وإسقاط دستور 1923 م ، وذلك في يناير من العام 1953م ، وهو ذات العام الذي قام فيه الضباط الأحرار بإلغاء الملكية في الثامن عشر من يونيو 1953 م .
تأثرت كل المنطقة بالثورة المصرية ، وكان السودان من الدول التي تأثرت ، فتداعى عدد من الضباط لتكوين تنظيم الضباط الأحرار ، أسوة بما كان في مصر ، وهو التنظيم الذي خطط ونفذ إستيلاء العقيد أركان حرب جعفر محمد نميري ومن خلفه الضباط الأحرار والقوى اليسارية على السلطة في الخامس والعشرين من مايو عام 1969 م ، ثم جاء إنقلاب العقيد معمر القذافي في ليبيا على النظام الملكي في الفاتح من سبتمبر عام 1969 م .
نفخت ثورة يوليو المصرية الروح في حركات التحرر والإستقلال في أفريقيا وآسيا وكثير من دول العالم الثالث ، بل دعمت الكثير من تلك الحركات ، وأصبحت القاهرة قبلة للثوار وقادة حركات التحرر ، ومع تغيّر القيادة بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر ، وتولي الرئيس أنور السادات مسؤولية الحكم ، تغيرت إتجاهات البوصلة السّياسية من الشرق إلى الغرب ، وحدثت تحولات سياسية كبيرة بعد أن أطاح الرئيس السادات بمن أسماهم بمراكز القوى في ثورة أطاحت بالحرس القديم الذي كان حول الرئيس عبدالناصر ، وكان ذلك التحول هو الذي أطلق عليه السادات إسم ثورة التصحيح ، والتي أطاح فيها الرئيس السادات بعدد كبير ممن تمتعوا بقدر كبير من السلطات في عهد الرئيس عبدالناصر ، ومن أبرزهم نائب رئيس الجمهورية علي صبري ، ووزير الدفاع محمد فوزي ، ورئيس المخابرات العامة أحمد كامل ووزير الداخلية شعراوي جمعة ، ووزير الإعلام محمد فائق ورئيس مجلس الشعب محمد لبيب شقير ، وسكرتير رئيس الجمهورية وهو من أكبر وأخطر مراكز القوى وهو سامي شرف .
وقد أطاح السادات بخصومه لمحاولتهم القيام بإنقلاب عليه والإستيلاء على السلطة ، وتم كشف المخطط وأُلقِي القبض عليهم داخل مباني الإذاعة والتلفزيون قبيل إذاعة بيانهم الذي أعدّوه سلفاً .
الآن سبعون عاماً مرّت منذ قيام ثورة يوليو المصرية ، ونتساءل عما كان سيكون عليه الحال لو أن مجموعة علي صبري نفذت إنقلابها ذاك قبل الخامس عشر من مايو 1971 م ، ترى هل كان الحال سيبقى على ما هو عليه ، أم ستستمر الصراعات على السلطة ؟
لا أحد يملك الإجابة .. لكن دعونا نخمّن ، ودعونا نهنئ أنفسنا والشعب المصري الشقيق بهذه المناسبة العظيمة .

Email : sagraljidyan@gmail.com

إنضم الى مجموعتنا على الواتس آب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى